الخطيب الشربيني
232
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الْأَرْضَ بإخراج النبات بَعْدَ مَوْتِها أي : يبسها إِنَّ ذلِكَ أي : القادر العظيم الشأن الذي قدر على إحياء الأرض لَمُحْيِ الْمَوْتى كلها من الحيوانات والنباتات أي : ما زال قادرا على ذلك كما قال تعالى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من ذلك وغيره قَدِيرٌ لأنّ نسبة القدرة منه سبحانه وتعالى إلى كل ممكن على حد سواء . ولما بين أنهم عند توقف الخير يكونون آيسين وعند ظهوره يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضا لا يدومون عليها بقوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 51 إلى 60 ] وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) . وَلَئِنْ أَرْسَلْنا أي : بعد وجود هذا الأثر الحسن رِيحاً عقيما فَرَأَوْهُ أي : الأثر لأنّ الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات أو الزرع لدلالة السياق عليه مُصْفَرًّا قد بدل وأخذ في التلف من شدّة يبس الريح إمّا بالحرّ أو البرد ، وقيل : رأوا السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر ، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب . تنبيه : اللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط . وقوله تعالى لَظَلُّوا أي : لصاروا مِنْ بَعْدِهِ أي : اصفراره يَكْفُرُونَ أي : بيأسهم من روح الله ، جواب سدّ مسدّ الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال . . تنبيه : سمى النافعة رياحا والضارّة ريحا لوجوه : أحدها : أنّ النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها لأن في كل يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة ولا تهب الريح الضارّة في أعوام بل الضارّة لا تهب في الدهور . ثانيها : أنّ النافعة لا تكون إلا رياحا وأما الضارة فنفخة واحدة تقبل كريح السموم . ثالثها : جاء في الحديث أنّ ريحا هبت فقال عليه الصلاة والسلام : « اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » « 1 » إشارة إلى قوله تعالى أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [ الذاريات : 41 ] وقوله تعالى رِيحاً صَرْصَراً إلى قوله تَنْزِعُ النَّاسَ [ القمر : 20 ] . ولما علم الله تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وجوه الأدلة ووعد وأوعد لم يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفرا وإرصادا قال تعالى : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى أي : ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا نظر ولا سمع ، أو موتى القلوب إسماعا ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى ، وهؤلاء مثل
--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل .